
التعويم وأثره على الضرائب.. كيف تتحرك الدولة لتعويض التضخم؟ بقلم المستشار الضريبي أ/ سامح المصري
يُعد قرار التعويم واحداً من أخطر وأهم القرارات الاقتصادية التي يمكن أن تتخذها أي دولة، لأنه يغير سعر كل شيء تقريباً في البلد، من رغيف العيش وحتى سعر السيارة. ومعه، يجب أن تتغير السياسة الضريبية بالكامل، وإلا ستخسر الدولة وسيُطحن المواطن. فاللحظة التي تقرر فيها الدولة أن ترفع يدها عن سعر عملتها وتترك السوق هو من يحددها، هي اللحظة التي تنقلب فيها كل الموازين، وأول ميزان ينقلب هو ميزان الضرائب.
أولاً: ما هو التعويم؟ببساطة، كانت الدولة تثبت سعر الجنيه أمام الدولار، البنك المركزي يقول الدولار بـ 30 جنيه مثلاً، ويتدخل باحتياطي الدولار ليحافظ على هذا السعر. وطالما يثبت السعر، هو يحرق من الاحتياطي.وعندما ينتهي الاحتياطي أو تتضخم السوق السوداء، يضطر للتعويم، أي يترك الجنيه للعرض والطلب والسوق هو من يحدد سعره،
وهناك نوعان من التعويم:1. التعويم الحر الكامل:السوق يحدد السعر 100% بدون أي تدخل، كما هو الحال مع الدولار واليورو. الدولة ترفع يدها تماماً، لا بنك مركزي يحدد سعراً، ولا حكومة تقول الدولار بكام.
آليته تشبه مزاداً: لو زاد الطلب العالمي على المنتجات الأمريكية، سيحتاج العالم دولاراً كثيراً فيرتفع سعره، ولو خاف المستثمرون من الاقتصاد الأمريكي وباعوا أسهمهم، سيزيد المعروض فينخفض سعره.
الذي يحرك السعر في هذا النظام أربعة عوامل فقط: حجم الصادرات والواردات، حجم الاستثمار الأجنبي الداخل والخارج، سعر الفائدة، وثقة العالم في الاقتصاد.
ولذلك لا يتدخل الفيدرالي الأمريكي أو المركزي الأوروبي نهائياً لتحديد سعر عملته، قد يتدخل بشكل غير مباشر عبر رفع الفائدة، لكنه لا يحدد سعراً يومياً.
لماذا تستطيع أمريكا وأوروبا ذلك ومصر لا؟ لأن التعويم الحر يحتاج شروطاً قاسية: اقتصاد قوي ومتنوع، احتياطي ضخم وثقة عالمية، وشفافية كاملة تمنع وجود سوق سوداء. أما الاقتصاد المستورد والمعتمد على سلعة أو سلعتين، فالتعويم الحر قد يتسبب في انهيار عملته في يوم واحد.
2. التعويم المُدار: وهو المطبق في مصر حالياً منذ 6 مارس 2024
هو الحل الوسط بين التثبيت والفوضى. الدولة تقول: لن أثبت السعر، السوق هو من سيحدده، لكنني سأظل مراقباً، وإذا جن جنون السعر سأتدخل.ويطبقه البنك المركزي في مصر عملياً عبر ثلاث أدوات:أ- الاحتياطي الدولاري: عندما يجد الجنيه ينهار والناس تجري لشراء الدولار خوفاً، يدخل البنك ليبيع 200-300 مليون دولار مرة واحدة ليُغرق السوق ويوقف الهبوط.
ب- سعر الفائدة: وهو أهم سلاح. في مارس 2024 ومع التعويم، رفع البنك الفائدة 6% مرة واحدة لتصل إلى 27.25%، ليرسل رسالة للمستثمر الأجنبي: تعال ضع دولاراتك عندي وسأعطيك فائدة خرافية، وللمواطن: بدلاً من أن تشتري دولاراً، ضع أموالك في شهادة 30%.
ج- قيود الاستيراد والبنوك: عبر إعطاء أولوية للدولار للسلع الأساسية كالقمح والدواء والمواد الخام، وتأخير السلع الكمالية
وماذا حدث في مصر؟ قبل 6 مارس 2024 كان هناك سعرين: رسمي في البنك 30.85 جنيه، وسوق سوداء 70 جنيه. يوم التعويم نزل الجنيه إلى 50.5 جنيه. وبعدها بشهرين، مع دخول 35 مليار دولار من صفقة رأس الحكمة و 8 مليار دولار من صندوق النقد، زاد المعروض فاستقر الجنيه بين 48 و 51 جنيه حتى اليوم (أكتوبر 2026). هذا هو التعويم المدار الناجح، تذبذب في حدود 5% وليس انهيار 100%.
ميزته أنه منع السوق السوداء، فلا فرق بين سعر البنك وسعر الخارج. وعيبه أن ثمنه غالٍ جداً، فلكي تثبت هذا السعر تدفع فائدة 27% على كل جنيه في البلد، فتزيد الديون وتُغلق الشركات لأن القروض غالية. إنه كمن يقود سيارة بدون فرامل ويمسك بالفرامل اليدوية طوال الوقت.
ثانياً: لماذا تلجأ الدولة للتعويم؟
التعويم ليس رفاهية، بل هو حل أخير عندما يختفي الدولار من البنوك ويظهر في السوق السوداء بفارق كبير، وعندما يزيد الاستيراد عن التصدير بفارق ضخم، وعندما يشترط صندوق النقد التعويم للحصول على قرض.
ومكسبه الوحيد أن صادراتك تصبح أرخص للعالم، فتزيد السياحة والتصدير والاستثمار الأجنبي.
ثالثاً: الأثر المباشر للتعويم على الضرائب هنا تكمن اللعبة كلها. التعويم يصنع تضخماً، والتضخم يغير شكل الضرائب تماماً:1. ضريبة القيمة المضافة (14%) تزيد وحدها: فأنت تدفع الضريبة نسبة من سعر السلعة. عندما كانت السلعة بـ 1000 جنيه أصبحت بـ 1600 بعد التعويم، ستأخذ منك الدولة 224 جنيه ضريبة بدلاً من 140 جنيه. الحصيلة زادت 60% على الورق، لكن قيمة النقود نفسها قلت. وكذلك الجمارك. فخ ضريبة الدخل والزحف الضريبي Bracket Creep: وهي أخطر نقطة. مرتبك زاد من 6000 إلى 7500 جنيه بعد التعويم، فدخلت في شريحة ضريبية أعلى (20% بدل 10%). أنت تدفع ضريبة أكثر، رغم أن الـ 7500 جنيه تشتري أقل من الـ 6000 جنيه قبل التعويم.
رابعاً: كيف تتحرك الدولة لتعويض التضخم ضريبياً؟الدولة الذكية تستخدم المقص: تخفف من هنا، وتشدد من هنا.أ- إجراءات الحماية للمواطن:رفع حد الإعفاء الضريبي، حيث رفعته مصر من 24 ألف جنيه في 2022 إلى 60 ألف جنيه سنوياً في 2024، ومن المتوقع أن يصل 72 ألف في موازنة 2026. وإعفاء السلع الأساسية عبر إلغاء أو تخفيض القيمة المضافة على الزيت والسكر والأدوية لفترة مؤقتة، وتأجيل الضرائب العقارية والمشروعات الصغيرة.
ب- إجراءات تعويض الخزانة:
فرض ضريبة أرباح رأسمالية على مكاسب الدولار والذهب، ورفع الضرائب على السلع الكمالية والترفيهية ، وتوسيع منظومة الفاتورة الإلكترونية لمنع التهرب الذي يزيد وقت التضخم.
خاتمه المعادلة بسيطة:التعويم بدون إصلاح ضريبي = المواطن يدفع فاتورة التعويم مرتين، مرة غلاء، ومرة ضرائب؛التعويم مع إصلاح ضريبي ذكي = التضخم يتحول لفرصة تصديرية، والحصيلة الضريبية تزيد من الأغنياء والمستوردين، وليس من مرتب الموظف.وفي حالة مصر، التعويم الأخير في مارس 2024 نجح في القضاء على السوق السوداء، لكنه رفع الحصيلة الضريبية بنسبة 38% في عام واحد، المستشار سامح المصري