شهادة من محراب العدالة: الأستاذ شامل سليم يروي درساً مؤلماً عن أمانة الدفاع وضياع البراءة

تقرير خاص:

​في أروقة المحاكم، لا تُقاس القضايا بالأوراق والملفات، بل بأقدار بشر ومصائر عائلات تُعلّق آمالها على ضمير من يقف مترافعاً عنها. ومن واقع ممارسته المهنية الحافلة، يستعيد الأستاذ شامل سليم، المحامي بالنقض، واقعة قضائية تعود لأكثر من أربعة عشر عاماً؛ تجربة حية تُلخص الفارق الجوهري بين رسالة المحاماة السامية كأمانة ضمير، وبين ممارستها كعمل عابر يخضع لحسابات الاستعجال وضآلة الأتعاب.

​تعود فصول الواقعة حين عُرضت على الأستاذ شامل سليم جناية بالغة التعقيد والخطورة، شملت اتهامات بمقاومة سلطات، ومقتل مخبر مباحث، والانضمام إلى تشكيل عصابي للاتجار بالمواد المخدرة. حينها قصدته والدة المتهم — وهو ابنها الوحيد — معلنة استعدادها لبيع مسكنها المتواضع للوفاء بأتعاب الدفاع. لكن انطلاقاً من البعد الإنساني، رفض الأستاذ شامل أن تُشرّد المرأة، واتفق معها على تقسيط المبلغ على مدار أمد تداول القضية المتوقع والذي قد يتجاوز الثلاث سنوات.

​وبجهد قانوني مضنٍ في مرحلة التحقيق، حقق الأستاذ شامل اختراقاً جوهرياً في مسار الدعوى؛ إذ نجح في استبعاد موكله من الاتهام الأشد وهو مقتل المخبر أمام النيابة العامة، لتُحال القضية إلى محكمة الجنايات مقتصرةً على تهمة الانضمام لتشكيل اتجار بالمخدرات.

​ومع بدء جلسات المحاكمة، وأثناء تمسكه بطلبات جوهرية لازمة لإظهار الحقيقة وإثبات البراءة، فوجئ بالزميل الحاضر مع المتهم الثاني — وكان اسماً ذائع الصيت بمحافظة المنوفية وقتها — يطالبه بالتنازل عن طلباته وحجز الدعوى للفصل السريع دون تأجيل. وكان رد الأستاذ شامل سليم حازماً بأن خطورة الاتهام لا تحتمل التهاون، وأن التمسك بحقوق المتهم هو واجبه المهني الذي لا يحيد عنه.

​استجابت المحكمة لطلبات التأجيل، إلا أن ضغوطاً من قِبل أهل المتهم الثاني داخل قريتهم مورست على والدة موكله لتطلب منه التنحي عن الدعوى؛ كاشفةً عن مفارقة صادمة مفادها أن المحامي الآخر تقاضى مبلغاً زهيداً لم يتجاوز 10,000 جنيه، مما دفعه للرغبة في إنهاء القضية سريعاً بأقل جهد ممكن. وأمام تلك الضغوط وإصرار السيدة الباكية، قرر الأستاذ شامل التنحي درءاً للحرج.

​لم تطل الأيام حتى دوّت صرخات الأم داخل قاعة المحكمة بعد صدور حكم بالسجن المؤبد على ابنها والمتهم الآخر، لتدرك بعد فوات الأوان ثمن التنازل عن الدفاع الجاد، تاركةً حسرة عميقة في نفس الأستاذ شامل سليم الذي كان — ولا يزال — على يقين تام ببراءة ذلك الشاب.

ومن واقع هذه التجربة الإنسانية والقضائية القاسية، يُوجز الأستاذ شامل سليم مبادئ مهنية بالغة الأهمية:

​خطورة الاستعجال في القضايا الجسيمة: القضايا الكبرى لا يجوز إنهاؤها في جلسة أو اثنتين دون استيفاء وتحقيق الطلبات الجوهرية التي تغير مسار الاتهام وتكفل إظهار أدلة البراءة.

​تمسك الدفاع ضمانة لا افتعال مشكلات: حرص المحامي على دفوعه وطلباته أمام المحكمة والنيابة العامة هو جوهر وظيفته وحصن أمان للمتهم، وليس صداماً أو تعطيلاً كما قد يظن البعض.

أمانة العمل لا ترتبط بمقدار الأتعاب: قبول المحامي لأتعاب منخفضة لا يبرر مطلقاً التهاون في إعداد الدفاع أو التفريط في مصلحة الموكل؛ فالأمانة والضمير المهني التزام مطلق لا يتجزأ.

للمزيد من الأخبار زوروا نشرة .

بين أزلية النص وحتمية الواقع: قراءة في الأطروحة الإعجازية للأستاذ الدكتور عبدالله البلتاجي

تقرير خاص:

كتب احمد عزب

​تتجاوز المقاربة الفكرية التي يطرحها الأستاذ الدكتور عبدالله البلتاجي الأطر التقليدية لدراسات الإعجاز القرآني، والتي انحصرت تاريخياً في دروب البلاغة اللغوية، والنظم البياني، أو الإشارات العلمية الحديثة. يقدم الكاتب رؤية وجودية كلامية عميقة تُعيد توجيه بوصلة المتأمل نحو ظاهرة ميتافيزيقية مذهلة: التطابق المطلق بين النص الأزلي والواقع التاريخي المشهود.

​جوهر الأطروحة: مفارقة الأزل والزمن

​تقوم الفكرة المركزية على تفكيك العلاقة بين عالمين:

  • عالم الأزل: وفيه كان القرآن الكريم كلام الله القديم المنقوش في علمه السابق قبل خلق الزمان والمكان، متجاوزاً لكل أبعاد الصيرورة المادية.

  • عالم الشهادة والتاريخ: وهو مسرح الأحداث الأرضية التي تتشابك فيها إرادات البشر وتقلبات الطبيعة وتراكمات القرون.

​تتجلى “المعجزة الكبرى” حسب الطرح في أن تفاصيل الأحداث والوقائع، بميقاتها الزماني ومحدداتها المكانية وتسلسلها الدقيق، تجسدت على أرض الواقع دون أدنى تقديم أو تأخير أو انحراف عما أثبته النص الإلهي. لم تكن الصياغة القرآنية مجرد تعقيب على واقعة حدثت، بل كانت مطابقة تامة بين علم أزلي محيط وحركة واقعية مقدرة بدقة متناهية.

أبعاد المعجزة التاريخية والغيبية

​يُشير هذا الربط إلى مستويات عميقة من الدلالة الإيمانية والعقلية:

  • هيمنة العلم والقدر الإلهي: حين تتحرك وقائع التاريخ بحرية ظاهرة، ثم تأتي مطابقة تماماً لما كُتب في الأزل، فإن ذلك يبرهن على أن التاريخ الإنساني ليس عشوائياً، بل يتحرك داخل إحاطة إلهية شاملة لا يخرج عنها مثقال ذرة.

  • تجاوز السببية المادية: في الفلسفات المادية، يولد النص من رحم الحدث كاستجابة بيئية له، أما في هذا المنظور القرآني فإن الحدث هو الذي يتحرك ليوافق النص الأزلي، مما يُلغي شبهة التدخل البشري في صياغة الرسالة أو التنبؤ بمساراتها.

  • البناء التراكمي للإعجاز: لا ينفي الطرح الإعجاز اللفظي والتشريعي المتمثل في آيات عظام مثل آية الكرسي، بل يضعه كقاعدة تنطلق منها معجزة أكبر تستوعب حركة الزمان برمتها.

العالمية بوصفها امتداداً للرسالة

​تكتسب الدعوة لنشر هذه الفكرة بلغات متعددة (الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، الألمانية، والتركية) أهمية استثنائية في الخطاب المعاصر. إن العقل الحديث، الذي تغلب عليه النزعة العلمية والتجريبية، يجد في برهان “مطابقة التنبؤ للواقع عبر حركة التاريخ” لغة منطقية تتجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، مما يعزز عالمية الرسالة القرآنية بوصفها خطاباً موجهاً للبشرية جمعاء، وشاهداً حياً على اتصال الأرض بالسماء.

​يمثل هذا الطرح دعوة فلسفية وإيمانية لإعادة قراءة المصحف الشريف ليس فقط كنصوص للتعبد، بل كخريطة كونية شاملة تتطابق فيها الكلمة الإلهية مع مسارات الوجود، لتظل المعجزة قائمة ومتجددة أمام كل عقل يبحث عن الحقيقة المطلقة.

للمزيد من الأخبار زوروا نشرة .