الرقية الشرعية بين اليقين والوهم.. لماذا نحتاج إلى تصحيح المفاهيم؟

إعداد: الشيخ أحمد مدكور
باحث في علوم الرقية الشرعية والعقيدة

أصبحت الرقية الشرعية في زماننا من أكثر الأبواب التي تحتاج إلى العلم والتصحيح؛ ليس لأن أصل الرقية محل إشكال، وإنما لأن كثيرًا من المفاهيم والممارسات اختلطت على الناس، حتى أصبح من الصعب عند البعض التفريق بين ما ثبت بالكتاب والسنة، وما أضيف إلى هذا الباب من اجتهادات ومبالغات وممارسات لا دليل عليها.

والخطورة هنا لا تتعلق بمعلومة خاطئة فحسب، وإنما بعقيدة الإنسان ويقينه ونظرته إلى ما يحدث حوله؛ فقد يعيش المرء سنوات وهو يفسر كل مرض بالسحر، وكل تعثر بالحسد، وكل مشكلة بالمس، ثم يبني حياته وقراراته وعلاقاته مع الآخرين على هذه التفسيرات.

ومن هنا كان لزامًا علينا أن نعود إلى الأصل، وأن نسأل عن الدليل قبل أن نصدق الادعاء، وأن نجعل القرآن والسنة هما الميزان الذي نزن به ما يقال في هذا الباب.

الرقية الشرعية ليست أسرارًا يحتكرها أحد

من أعظم الأخطاء التي رسختها بعض الممارسات أن الرقية علم غامض لا يستطيع الإنسان التعامل معه إلا من خلال أشخاص يمتلكون قدرات خاصة.

وهذا التصور يحتاج إلى تصحيح.

فالرقية في أصلها قرآن ودعاء وذكر وتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، والعبد يلجأ فيها إلى ربه ويوقن أن الشفاء منه وحده.

والراقي مهما بلغ من العلم والخبرة لا يملك أن يشفي أحدًا من نفسه، ولا ينبغي للمريض أن يتعلق قلبه به، فالشفاء ليس بيد بشر.

وهنا يظهر الفارق بين الرقية التي تعيد الإنسان إلى الله، وبين الممارسات التي تجعل الإنسان متعلقًا بشخص أو بطقوس أو بأشياء لم يقم عليها دليل.

ليس كل ما لا نفهمه سببه الجن أو السحر

وجود السحر والعين والحسد ثابت في النصوص الشرعية، لكن إثبات وجود الشيء لا يعني أن نجعله تفسيرًا لكل ما يحدث في حياة الإنسان.

فليس من المنهج الصحيح أن يتحول كل مرض إلى سحر، وكل خلاف زوجي إلى عين، وكل ضيق إلى مس، وكل فشل في العمل أو الدراسة إلى أثر من آثار الجن.

إن التوسع في هذه التفسيرات دون بينة قد يصنع إنسانًا خائفًا من الحياة ومن الناس، يراقب كل شيء حوله ويبحث باستمرار عمن أصابه بالعين أو من صنع له السحر.

والإيمان بالغيب لا يعني فتح الباب أمام الظنون بلا ضابط.

أخطر الدجل ما ارتدى ثوب الدين

الدجال لا يأتي دائمًا بصورة يعرفها الناس بسهولة.

قد يستخدم كلمات دينية، ويتحدث عن القرآن والجن والسحر والعين، وربما يستغل خوف الإنسان ومعاناته حتى يمنحه ثقة كاملة فيما يقول.

وهنا تبدأ الخطورة.

فإذا أخبر شخص مريضًا بأن فلانًا من أقاربه هو الذي سحره، فما الدليل؟

وإذا ادعى معرفة تفاصيل غيبية عن حياة الإنسان، فمن أين جاء بهذه المعرفة؟

وإذا طلب من الناس ممارسة أفعال غريبة ثم نسبها إلى الرقية، فأين الدليل عليها من القرآن والسنة؟

لا ينبغي أن تكون عاطفة الإنسان أو خوفه سببًا في تعطيل عقله وسؤاله عن الدليل.

عندما يتحول الخوف إلى مرض آخر

قد يدخل الإنسان إلى باب الرقية وهو يبحث عن الطمأنينة، ثم يخرج منه أكثر خوفًا مما كان.

يبدأ في الشك في أقرب الناس إليه، ويراقب أحلامه باستمرار، ويفسر كل إحساس أو حركة أو مشكلة على أنها علامة على السحر أو المس أو الحسد.

وبدلًا من أن تقوده الرقية إلى السكينة واليقين بالله، يصبح أسيرًا للخوف.

وهذا انقلاب على أحد أهم المعاني التي ينبغي أن تحققها الرقية؛ فالقرآن هداية وشفاء ورحمة، وليس وسيلة لصناعة الرعب في نفوس الناس.

لا تجعل الراقي أقرب إلى قلبك من ربك

من أخطر علامات الانحراف في هذا الباب التعلق بالأشخاص.

فقد يعتقد بعض الناس أنهم لا يستطيعون العلاج إلا عند راقٍ معين، فإذا سافر أو توقف عن استقبالهم شعروا بأن أبواب الشفاء أغلقت أمامهم.

وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: بمن تعلق القلب؟

الراقي سبب، والطبيب سبب، والدواء سبب، ولكن الله سبحانه وتعالى هو رب الأسباب جميعًا.

فالرقية الصحيحة ينبغي أن تقوي توكل الإنسان على الله، لا أن تزيد تعلقه بالبشر.

الرقية لا تعني ترك الطب

ومن المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح أيضًا تصور وجود تعارض بين الرقية وبين العلاج الطبي.

فالإنسان مأمور بالأخذ بالأسباب المشروعة، ولا يوجد ما يمنعه من أن يقرأ القرآن ويدعو الله ويلتزم بالأذكار، وفي الوقت نفسه يذهب إلى الطبيب والمتخصص عندما يحتاج إلى ذلك.

ولا يصح أن نجعل الرقية مبررًا لإهمال علاج يحتاج إليه الإنسان، أو أن نحكم على كل عرض طبي بأنه سحر أو عين دون علم.

فالتوكل الحقيقي لا يعني ترك الأسباب، وإنما الأخذ بها مع تعلق القلب بالله.

كيف نغلق الباب أمام الدجالين؟

الجواب يبدأ بكلمة واحدة: العلم.

حين يعرف المسلم دينه، ويعرف ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، يصبح من الصعب أن يخدعه أحد باسم الرقية.

وحين يتعلم الإنسان ألا يقبل الادعاءات بلا دليل، تضيق مساحة الدجل.

وحين يدرك أن بإمكانه أن يقرأ القرآن على نفسه، ويحافظ على أذكاره، ويدعو ربه، ويأخذ بالأسباب المشروعة، فلن يصبح فريسة سهلة لمن يريد أن يتاجر بخوفه.

المشكلة ليست في الرقية، وإنما في الجهل بحقيقتها.

العودة إلى الأصل

رسالتي في هذا الباب بسيطة وواضحة:

أعيدوا الناس إلى الأصل.

إلى القرآن، وإلى السنة، وإلى الدعاء، وإلى الأذكار، وإلى صدق التوكل واليقين بالله.

لا نحتاج إلى أن نضيف إلى الدين ما ليس منه حتى تصبح الرقية أكثر تأثيرًا، ولا نحتاج إلى القصص المخيفة حتى يؤمن الناس بما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

والواجب أن نميز بين الحقيقة والخرافة، وبين الدليل والادعاء، وبين الرقية والدجل.

فالغاية ليست أن يعيش الإنسان طوال حياته باحثًا عمن سحره أو حسده، وإنما أن يعرف ربه، ويحصن نفسه، ويأخذ بالأسباب، ويمضي في حياته بقلب متعلق بالله لا بالأوهام.

إن تصحيح مفاهيم الرقية ليس معركة مع الرقية، بل هو دفاع عنها، وحماية لها من أن تختلط بالدجل والخرافة والمبالغة.

وكلما أعدنا الناس إلى القرآن والسنة، وحررناهم من الخوف والتعلق بالبشر، اقتربنا من المعنى الحقيقي للرقية الشرعية:

دعاء ويقين وتوكل على الله، مع الأخذ بالأسباب المشروعة، والاعتقاد بأن الشفاء بيد الله وحده.


إعداد: الشيخ أحمد مدكور
باحث في علوم الرقية الشرعية والعقيدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *